“البشرية تتجه صَوْب حقبة ما بعد المضادات الحيوية، التي يمكن فيها أن تؤدي الأمراض المعدية الشائعة والإصابات البسيطة مجددًا إلى الوفاة”.. تحذير أطلقته منظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2016 لتدق ناقوس الخطر.

تحذير المنظمة فسره البعض بأنه يخص البشر وحدهم، لكن حقيقة الأمر أنه يشمل الحيوانات أيضًا، ففي كثير من الحالات، تنتقل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية بصورة غير مباشرة إلى الإنسان، عبر تناول غذاء ملوث بالجراثيم، وهذا ما توصلت إليه دراسة جديدة أجراها فريق بحثي أمريكي مصري.

تناول “حازم رمضان” -أستاذ الأمراض المشتركة المساعد بكلية الطب البيطري، جامعة المنصورة، والباحث بالمركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن التابع لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA-ARS)-  وزملاؤه في دراسة بحثية نُشرت بدورية (Vector-borne and Zoonotic diseases) المتخصصة في الأمراض المشتركة، مدى إسهام الدواجن في إصابة الإنسان بميكروبات “إي– كولاي” المصاحبة لأعراض التهابات المسالك، وما إذا كانت مصدرًا لانتقال البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية إلى الإنسان.

وتُعَدُّ (إي– كولاي) أحد أنواع البكتيريا المتعايشة في الأمعاء لكلٍّ من الإنسان والحيوان، إلا أن الكثير منها يكون مصحوبًا بأعراض مرضية، قد تصل إلى حدوث الإسهالات النزفية، وفي بعض الأحيان تكون مصحوبة بحدوث متلازمة انحلال الدم اليوريمية (Hemolytic-uremic syndrome)، وهو مرض يؤذي وظيفة الكلية، كما هو الحال مع “إي– كولاي” من نوع (O157:H7).

ويعتقد العلماء أن الدجاج أحد المستودعات المحتملة المسببة للأمراض لدى البشر من جَرَّاء الإصابة ببكتيريا الإيشيريشيا كولاي Escherichia coli (E. coli). ومع ذلك، لا تزال الأدلة العلمية حول الترابط الوراثي بين هذا النوع من البكتيريا والدجاج والمرضى من البشر محدودة.

وفي الدراسة الأخيرة، كشفت النتائج أنه كثيرًا ما ترتبط حالات الإصابات المعوية لدى الإنسان بتلوث مصادر الغذاء بتلك الميكروبات، ومن ذلك أيضًا “إي- كولاي” من نوع (Extraintestinal pathogenic E. coli, ExPEC)، وهي بكتيريا مسؤولة عن التهابات المسالك البولية لدى الإنسان.

فسرت الدراسة ذلك بأنها قد تحدث نتيجةً لانتقالها من الجهاز الهضمي إلى الجهاز البولي؛ إذ أظهرت وجود ارتباط جيني بين “إي – كولاي” المسببة للأمراض في الدواجن، وتلك المسؤولة عن التهابات المسالك البولية لدى البشر، ما عزَّز من احتمالية إصابة الإنسان بها عن طريق الأغذية الملوثة بتلك البكتيريا.

وتزداد الأمور تعقيدًا عند وجود السلالات المقاوِمة للمضادات الحيوية، وخاصةً المقاومة لمركبات “البيتالاكتام”؛ إذ تؤدي الناقلات الجينية كـ”البلازميدات” دورًا مهمًّا في انتقال تلك الجينات إلى الإنسان.

و”البلازميدات” هي قطع دائرية صغيرة من الحمض النووي (دي إن إيه)، تنقسم مستقلةً عن كروموسوم البكتيريا، وتحمل بعض الجينات كتلك المسؤولة عن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

دراسة ميدانية

أجرى الفريق دراسةً ميدانية، عزلوا خلالها ميكروب “إي– كولاي” من دواجن غير مصابة تم تجميعها من مزارع بمحافظتي الدقهلية والشرقية، ثم درسوا الترابط الجيني لهذه العزلات بنظيرتها المعزولة من مرضى يعانون من التهابات المسالك البولية.

وقع الاختيار على هاتين المحافظتين، حيث يتركز فيهما ما لايقل عن 20% من النسبة الإجمالية للإنتاج الداجني في مصر، وفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

أظهرت عزلات المرضى مقاومةً عالية للمضادات الحيوية التي تندرج تحت اسم مركبات السيفالوسبورين (الجيل الثالث والرابع) عن تلك المعزولة من الدواجن. والسيفالوسبورين من المركبات التى تشبه البنسيلينات، لكونها تحتوي على حلقة البيتالاكتام Betalactam.

وعلى الرغم من ثبوت عدم وجود تماثل جيني لعزلات “إي– كولاي” من المرضى والدواجن، إلا أن مشاركة العزلات من كلا المصدرين في بعض الخصائص الجينية وتوزيعها في المجموعات نفسها يعطي احتمالية كبيرة أن تكون عزلات إي كولاي من الدواجن أحد المصادر الممكنة لالتهابات المسالك البولية في الإنسان.

بدوره، قال “حازم رمضان” إنه من المعروف أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يؤدي إلى ظهور سلالات من البكتيريا فائقة المقاومة للمضادات الحيوية، ما يشكل تهديدًا على مستوى العالم كافةً، وعلى مستوى الدول النامية خاصةً، والتي يكثر فيها استخدام المضادات الحيوية دون وصفة طبية.

وأضاف في حديث لـ”للعلم” أنه في القطاع البيطري، لا يقتصر استخدام المضادات الحيوية في علاج الأمراض فقط، لكنها تُستخدَم أيضًا كمحفزات للنمو في كثير من الأحيان، ويؤدي ذلك إلى ظهور أنماط وطفرات جينية جديدة تنتقل من خلال الغذاء إلى الإنسان.

وأشار إلى أن التحور المستمر للبكتيريا ومقاومتها للمضادات الحيوية قد يحدث على شكل طفرة جينية تلقائية، أو اكتساب البكتيريا لجين مقاوِم من سلالة البكتيريا نفسها أو حتى من سلالة أخرى، ما يؤدي إلى تفاقم تلك الأزمة على مستوى العالم.

وأضاف أن فريقه البحثي، بإشراف كلٍّ من شارلين جاكسون، والدكتور جونثان فراي، يهتم في الوقت الحالي بدراسة وتحديد التسلسل الكامل لجينوم البكتيريا المسببة للتسمم الغذائي والمقاومة للمضادات الحيوية، وآلية انتقالها إلى الإنسان.

وفي دراسة نشرها الفريق البحثي مَطلعَ يوليو الجاري بدورية (Global antimicrobial resistance)، للمرة الأولى في مصر جرى تحديد مسودة تسلسل الجينوم الكامل لمعزولات السالمونيلا كنتاكي من الدواجن، والمقاومة لمركبات السيبروفلوكساسين (مضاد جرثومي واسع الطيف، يمتاز بفاعليته ضد معظم الجراثيم).

ووفق رمضان، تهدف هذه الإستراتيجية إلى تعزيز الترصُّد والتتبُّع للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، سواء في الإنسان أو الحيوان، باعتبارها أهم الوسائل ضمن خطة العمل العالمية بشأن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

وأشار إلى أن تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” والمنظمة العالمية لصحة الحيوان توصي بضرورة الاستخدام المسؤول للمضادات الحيوية في القطاعات الزراعية والتوقف عن  استخدامها لتحفيز النمو في الحيوانات، بالإضافة إلى تطبيق الأمان الحيوي بالمزارع، والعمل عن كثب مع منظمة الصحة العالمية ضمن نهج صحة واحدة (One Health)؛ للحد من تزايد المقاومة البكتيرية للمضادات الحيوية.

مواجهة أسباب الأزمة

وعن بعض أسباب ظهور المشكلة، أكد “علي سعد علي” -الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء البيطريين بمصر- أن الأزمة تكمن في التشخيص غير الدقيق، والاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية من قِبَل مربي الدواجن، ما ينتج عنه ظهور أنواع من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

وفي حديث لـ”للعلم” أضاف أن نسبة كبيرة من مربي الدواجن في مصر يفرطون في استخدام المضادات الحيوية لأهداف علاجية أو بهدف التسمين، دون وصفة طبية أو إشراف بيطري، ويستندون إلى خبرتهم فقط في التعامل مع الطيور، دون النظر إلى العواقب المترتبة على سوء استخدام الدواء.

وطالب علي بتفعيل القرار الوزاري رقم 58 لسنة 1982، بشأن التعاقد مع طبيب بيطري للإشراف المباشر على مزارع الحيوانات والطيور مقابل أجر يتحمله صاحب المزرعة وتحدده النقابة، ويكون ذلك شرطًا لترخيص المزرعة؛ لأن هدف الطبيب البيطري ليس فقط الحفاظ على صحة وسلامة الحيوانات والطيور، بل أيضًا منع انتشار الأمراض والأوبئة من الحيوان إلى الإنسان.

الاستثمار في المضادات الحيوية

من جانبه، يرى “إسلام حسين” -كبير الباحثين في شركة ميكروبيوتكس المتخصصة في بحوث تطوير المضادات الميكروبية- أن نتائج الدراسة تمثل إضافةً جيدةً إلى مخزوننا المعرفي المتعلق بميكانيكية ظهور البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية وانتشارها، ما يمهد الطريق نحو ابتكار عقاقير جديدة تساعدنا في التغلب على هذه المشكلة التي تهدد البشرية بأكملها.

وطالب “حسين” -في حديث لـ”للعلم”- الدولَ بأن تحرص على ضخ استثمارات في مجال بحوث المضادات الحيوية وابتكار مضادات حيوية جديدة؛ لمواجهة تراجُع الكثير من شركات الأدوية عن تطويرها وتصنيعها، إما بسبب التكلفة الكبيرة، أو لقلة الأرباح التى تُجنى من ورائها، إذا ما قورنت بالأدوية الأخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر أدوية السرطان.