السبت , أكتوبر 20 2018
رئيس التحرير: غمدان أبو علي - مدير التحرير: عرفات مكي
الرئيسية / صحة / تناول الهوت دوج قد يؤدي إلى الإصابة بـالهوس

تناول الهوت دوج قد يؤدي إلى الإصابة بـالهوس

الحديدة نيوز /متابعات

دراسة جديدة تقول إن تناول اللحوم المملحة المحتوية على النترات يُحدث تغيرات في فسيولوجيا الدماغ ويؤدي إلى الإصابة بنوبات الهوس.

لم يكن الشاعر الإغريقي الأعمى “هوميروس” ليتصور أن ملحمته الشهيرة “الأوديسة” ستصبح جزءًا أصيلًا من التراث الأدبي العالمي؛ فالقطعة الأدبية الرفيعة، التي كتبها الشاعر العظيم في القرن التاسع قبل الميلاد، لا تزال منتشرةً كالنار في الهشيم في ثقافتنا الحالية، لا باعتبارها منتجًا أدبيًّا رفيعًا فحسب، بل أيضًا باعتبارها وصفة لإحدى الأكلات الأكثر شعبيةً في العالم، النقانق، المعروفة بـ”الهوت دوج”.

ففي أحد فصول الملحمة العظيمة، وصف الشاعر بطله الأغريقي “أوديسيوس” في أثناء جلوسه أمام قِدر كبيرة، موضوعة على نار عالية، ومملوءة بـ”سجق Sausage” مصنوع من الدهون والدماء، واللحوم المملحة، لذيذة الطعم، طيبة الرائحة.

وبعد نحو 15 قرنًا على كتابة لفظ “السجق” لأول مرة، قام أحد القساوسة بإعداد الوصفة وتقديمها لرعايا كنيسة بوسط ألمانيا، ومنذ ذلك الحين وإلى الآن، انتشرت ثقافة أكل “الهوت دوج” hot dogs في جميع أنحاء العالم، لكن يبدو أن تناول ذلك المنتج يجب أن يكون بكثير من الحذر!

فقد قالت دراسة علمية نُشرت نتائجها بدورية “الطب النفسي الجزيئي” إن تناول اللحوم المملحة –كالهوت دوج والبسطرمة- قد يؤدي إلى عواقب نفسية خطِرة، تشمل احتمالية الإصابة بنوبات حادة من الهوس.

وأظهر تحليل لأكثر من 1000 شخص يعانون اضطراباتٍ نفسية وآخرين أصحاء، أن النترات nitrates –المواد الكيميائية التي تُستخدم لمعالجة اللحوم المصنعة- قد تُسهم في الإصابة بالهوس، وهي حالة مزاجية غير طبيعية تتميز بالنشاط المُفرط والنشوة، أو بحدوث الأرق.

والهوس حالة مزاجية غير مستقرة، تتسبب في حدوث نشاط مُفرط يُمكن أن يدوم لأسابيع أو شهور، كما تنطوي تلك النوبات على الروح المعنوية المرتفعة، أو التحدث بسرعة، وتضخيم الذات، وقلة الحاجة إلى النوم، ويُنظر إليها بشكل عام على كونها مصاحِبةً للأمراض النفسية كالاضطراب ثنائي القطب، ولكنها يُمكن أن تحدث أيضًا للأشخاص المُصابين باضطراب فُصامي عاطفي.

ويمكن أن تؤدي حالات الهوس إلى سلوكيات خطرة، تشمل التوهم، ومحاولات الانتحار، وقد تصل إلى ارتكاب جرائم متعددة، كالسرقة والقتل.

وقالت الدراسة إن الأشخاص الذين أُدخِلوا إلى المستشفيات بسبب الإصابة بنوبات الهوس لديهم معدلات تناول مرتفعة للحوم المُصنعة –كالهوت دوج والسلامي- والتي تُعالَج بمستويات مرتفعة من النترات.

وأظهرت التجارب التى أجراها باحثون -من جون هوبكنز ميديسين- على الفئران فرط نشاط شبيهًا بالهوس بعد أسابيع قليلة من تناوُل فئران التجارب وجباتٍ غذائية مُضافًا إليها نترات.

وتناولت فئران التجارب كميات من النترات تعادل الكمية التي قد يتناولها إنسان في وجبة خفيفة مكونة من اللحوم المملحة يوميًّا، وتساوي قطعة واحدة من الهوت دوج أو السلامي (نوع من أنواع البسطرمة).

وفي الوقت الذي تم فيه ربط عدد من العوامل الوراثية وغيرها من عوامل الخطر بنوبات الهوس، لم تكن هذه العوامل قادرةً على تفسير بعض النوبات التي تنتاب مرضى ليس لديهم عوامل خطر من ذلك النوع.

ويقول الباحثون إن دراستهم الجديدة تضيف إلى عوامل الخطر لاعبًا جديدًا قد يُسهم في الإصابة بالهوس، وهو النظام الغذائي، وكمياته، وأنواع مختلفة من البكتيريا تعيش في الأمعاء.

العلاقة الجديدة التى اكتشفها الباحثون بين تناول اللحوم المُصنعة التى تحتوي على مستويات عالية من النترات والإصابة بالهوس قد تُسهم مستقبلًا في تصميم أنظمة غذائية للمساعدة في الحد من مخاطر الهوس، خاصةً عند هؤلاء الذين لديهم عوامل الإصابة بالمرض، سواء كانت تلك العوامل وراثيةً أو بسبب الاضطرابات النفسية البعيدة عن الهوس.

ويصيب الاضطراب الثنائي القطب ما يقدر بنحو 1 الى 3% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ويكلف ما يقدر بنحو 202 مليار دولار سنويًّا بسبب رعاية هؤلاء المرضى بشكل مباشر أو غير مباشر.

ووفق الاحصائيات ، أنفق الأمريكان أكثر من 2.4 مليار دولار على شراء الهوت دوج عام 2016.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الاضطراب ثنائي القطب يُصيب نحو 60 مليون شخص حول العالم، وتشير إلى أن ذلك النوع من الاضطرابات يتكون من نوبات هوس، ونوبات اكتئاب، يفصل بينهما فترات من المزاج الطبيعي. ولا تنحصر محددات ذلك الاضطراب في صفات الإنسان الفردية كالقدرة على إدارة العواطف والسلوكيات، إنما تمتد أيضًا لتشمل عوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية وسياسية، وتشير المنظمة إلى أن هناك وسائل علاجية فعالة للطور الحاد من الاضطراب ثنائي القطب، تحافظ تلك الوسائل على استقرار الحالة النفسية.

الفيروسات والأمراض النفسية

لم تكن الدراسة مُصممةً بالخصوص لتعرُّف العلاقة بين الهوس والأنظمة الغذائية، فالباحثون كانوا مهتمين في الأصل بمعرفة العلاقة بين الإصابة بالعدوى الفيروسية الناجمة عن الغذاء والأمراض النفسية المختلفة.

وبين عامي 2007 و2017، وهي المدة التى استغرقتها الدراسة، جمع الباحثون بيانات ديموجرافية وصحية وغذائية لنحو 1101 فرد تتراوح أعمارهم بين 18 و68 عامًا، يعانون اضطرابات نفسية، تنوعت العينة بين الذكور والإناث (55% من السيدات –و55% من الجنس القوقازي الأبيض -و36% من الأمريكان الأفارقة).

وكشفت السجلات الصحية لعينات الفحص عن أمور غير متوقعة، فالأشخاص الذين أُدخِلوا إلى المستشفيات لعلاج الهوس، كان تاريخهم الغذائي مثيرًا للاهتمام؛ إذ تناولوا لحومًا مملحة بمعدل أعلى بنحو 3.5 مرات من مجموعة الأشخاص الذين لا يعانون اضطرابات نفسية.

“بدأنا هنا في تكوين فكرة ما”، يقول “روبرت يولكن”، المؤلف الرئيسي للدراسة لـ”للعلم”، مشيرًا إلى أن الفريق البحثي حين لاحظ الأمر قرر “تحويل مجرى الدراسة بشكل كامل لمعرفة تأثير اللحوم المُصنعة التي تُضاف إليها النترات على الصحة النفسية”.

لكن، لماذا تُضاف النترات من الأساس على اللحوم المُصنعة؟

تُعد النترات من المواد المهمة في عملية تصنيع منتجات اللحوم الحمراء، وبخاصة الهوت دوج والسلامي؛ إذ تضفي لونًا أحمرَ جذابًا على المنتج، كما تعمل على تأخير تطور عملية الزرنخة، ومنع تكوُّن السموم بواسطة ميكروب “الكلوستريديم بوتيلينم”  Clostridium botulinum، كما تمد اللحم بنكهة مميزة.

وتنص لوائح سلامة الغذاء في معظم أنحاء العالم على مستويات مُحددة من النترات والنيتريت في اللحوم المملحة؛ إذ يجب ألا تزيد عن 156 جزءًا في المليون من الصوديوم نيتريت في السجق المطهي، ولا تزيد عن 625 جزءًا من مليون في السجق شبه الجاف، و156 جزءًا في المليون في قطع اللحوم الجافة المعلبة، و200 جزء في المليون في اللحوم المملحة غير المعلبة، وصفر في المليون في أغذية الأطفال البروتينية.

“حتى تلك المستويات غير آمنة وفق الدراسة”، يقول “يولكن”، مشيرًا إلى أن الإكثار من تناول اللحوم المملحة قد يرفع من احتمالات الإصابة بالهوس، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ مرضي نفسي.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد صنفت في عام 2015 اللحوم المصنعة ضمن عوامل الاصابة بالسرطانات ؛ إذ خلص فريق علمي تابع للوكالة الدولية لبحوث السرطان إلى أن تلك اللحوم قد تتسبب في الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، كما لوحظ ارتباطها بسرطان المعدة.

ومع ذلك، لا يستطيع معدو الدراسة وصف نظام غذائي خاص لمكافحة نوبات الهوس، وفق “سيفا خامبادكون” أحد معدي الدراسة. تقول “سيفا” -في تصريحات خاصة لـ”للعلم”- إن الفريق البحثي في هذه المرحلة لا يستطيع التكهن بالأثر المحدد للمدخلات الغذائية؛ “لأن تصميم الدراسة لم يختبر ذلك في المرحلة الحالية”.

وتضيف أن النتائج تشير فقط إلى “أن المرضى المُصابين بالهوس لديهم تاريخ متزايد من استهلاك اللحوم المملحة المُصنعة، مقارنة بالضوابط الصحية”، مؤكدة أن الدراسات التي أُجريت على فئران التجارب تؤكد أن استهلاك اللحوم والمنتجات الغذائية المُضافة إليها النترات “تُحدِث تغييرات في دماغها، وتؤدي إلى الإصابة بفرط نشاط يُشبه الذي يحدث عند المُصابين بالهوس”.

التعرض للغذاء

وتُعَد تلك الدراسة إضافةً لمجموعة أخرى من الدراسات التي تشير إلى أن التعرض البيئي –بما في ذلك التعرض للمكونات الغذائية- يُمكن أن يؤدي إلى تغيُّرات فسيولوجية داخل الدماغ، غير أن “سيفا” تعود وتؤكد أن الاضطراب الثنائي القطب والهوس “معقدان للغاية”، مشيرةً إلى أنه لا يزال هناك الكثير مما يتعين عمله لتحديد الفيزيولوجيا المرضية الكامنة في المرضى المعرضين لخطر الإصابة بنوبات الهوس.

ومن الممكن أن تتفاعل التعرُّضات الغذائية مع نقاط الضعف الجينية وعوامل الخطر البيئية والاجتماعية الأخري مسببةً ظهور المرض.

ولاحظ الباحثون في الدراسة على فئران التجارب أن هناك تغيُّرات في فسيولوجيا الدماغ من جَرَّاء استهلاك لحوم الأبقار المحتوية على النترات، مقارنةً بالفئران التى استهلكت اللحوم عينَها لكن دون إضافة النترات.

توجد النترات أيضًا في الخضراوات، فهل يُمكن أن يزيد استهلاك تلك النباتات من احتمالية التعرُّض لنوبات الهوس؟ تقول “سيفا” إن الدراسة لم تقم بتقييم النترات ذات الأساس النباتي، مؤكدةً أن هناك “حاجة ماسة إلى تقييم ذلك الأثر ومعرفة إذا ما كانت النباتات لها تأثيرات مشابهة للحوم المعالجة بالنترات”.

“خوسيه دومينجو”، من مختبر علوم السموم والصحة البيئية بإسبانيا، وهو أحد معدي الدراسة الخاصة بتقييم أثر تناول اللحوم المصنعة على الإصابة بالسرطان، يرى أن الدراسة أضافت بُعدًا جديدًا إلى خطورة تناول تلك اللحوم، مشيرًا إلى “تأثير تفاعلي للمكوِّنات المُضافة إلى اللحم المُصنَّع وجينات الإنسان”.

ويقول “دومينجو” في تصريحات خاصة لـ”للعلم”: إن هناك سمات مشتركة ومسببات متداخلة تُعطي اللحوم المصنَّعة “خطورة كبيرة”، وتضع مزيدًا من “الخطوط الحمراء وعلامات الاستفهام حولها”، مؤكدًا أن المجتمع العلمي يجب عليه التكاتف وتوحيد الجهود لعمل دراسات مستفضية حول اللحوم بجميع أنواعها؛ لـ”توعية الجمهور بالمخاطر الجمة التي قد يُسببها الإفراط في تناولها”.

شاهد أيضاً

دراسة: الأسر الكبيرة أقل تعرضا للإصابة بمرض السرطان

الحديدة نيوز/ متابعات كشفت دراسة حديثة، أن البلدان ذات ثقافة الأسر الكبيرة لديها معدلات أقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *