الثلاثاء , ديسمبر 18 2018
رئيس التحرير: غمدان أبو علي - مدير التحرير: عرفات مكي
الرئيسية / كتابات وآراء / عندما يخذلنا الصوت

عندما يخذلنا الصوت

الحديدة نيوز/ خاص

بقلم: مطهر الخضمي

في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الجمعة، كنت جالسا في ديوان منزلنا المتواضع، ملاحظة “أقصد المنزل الذي نسكنه بالإيجار وليس ملكنا بالطبع” وهذه الملاحظة لتفادي مشاكل المؤجر فقط، المهم وبينما كنّا جميعا منهمكين بمشاغلنا الخاصة، أخي الذي يكبرني عمرا، وأكبره شكلا، يجلس في زاوية الديوان واضعا سماعتين ضخمتين على أذنيه، تحجبان عنه كل ما يحدث من ضوضاء حوله، ويستمع للمحاضرات الجامعية المسجلة في هاتفه المحمول.

أمي بدورها التربوي الذي تمارسه بكل تفاني منذ كنا صغارا لا نجيد القراءة والكتابة وحتى الأن، تجلس في الجهة الأخرى من الديوان، لتلقن أختي الصغيرة دروسا في والقراءة والإملاء، فالكثير من المدارس قد تخلّت عن مهمتها بسبب صعوبة الوضع المادي للمدرسين، بينما لم تتخلى أمي عن مهمتها الجليلة، خصوصا أن أختي تدرس في الصف الثالث الابتدائي ولا تجيد القراءة والكتابة بالشكل المطلوب، ما ينبؤ بكارثية التعليم هذه الأيام.

أنا بدوري كنت جالسا في الجهة الأخرى من الديوان حيث يبدو الشارع بكل أحداثه وتفاصيله خلف ظهري، والكمبيوتر المحمول أمامي (laptop ) أشاهد الفيلم الأمريكي – A futile and stupid gesture – بكل انسجام وهدوء، أضع في أذني سماعتين صغيرتين إلا أنهما يصدران صوتا قويا، لا يستطيع أي صوت آخر من حولي اختراقها. أحداث الفيلم تتتابع..تبدأ التجربة يستمر الصراع، تنتهي بالفشل، وكوني أحد خريجي كلية الإعلام، عشت ذلك كثيرا، حتى بمجرد تجربتي في مشاهدة الفيلم والاستمتاع به أفشل أكثر من مرة، فالتركيز على الفكرة وتصاعد الأحداث، وكيفية بناء المسار الدرامي ونقاط التحول والصراع في الفيلم، وتساؤلي عن الأدوات والتقنيات المستخدمة في تصوير الفيلم، كل ذلك يجعلني لا أستمتع كثيرا في مشاهدتي للأفلام، وهذا فشلٌ آخر يُضم إلى قائمتي.

المهم وبينما نحن منهمكون كلٌ في مجاله، حدث غير المتوقع، الآذان صاغية، نظرات التساؤل تملؤ أجواء المكان، السكون لم يعد له وجود بيننا، إنها أصوات دحرجة دبة الغاز تلامس حواسنا ومشاعرنا، نزعت السماعة من أذني، تلفّتُّ يمنةً ويسره، أخيرا سمعت هذا الصوت الذي نشتاقه أكثر من اشتياقنا لأصوات من نحب، جميعهم ينظرون إليّ ويصرخون بوجهي، إجرِ..أخرج..اذهب ربما عاقل الحارة قد أتى بالغاز كما وعدنا منذ شهرين وأكثر، هرعت إلى إلى الخارج، فتحت الباب ويداي ترتجفان من الفرحة والخجل كأني في طريقي إلى غرفة النوم ليلة الدخلة.

ولكني هذه المرة وجدت ما لا يسر خاطري ولا خاطر أحد من سكان الحارة، فكل ما في الأمر أن أحدهم تعب من حمل دبة الغاز الفارغة فقام بدحرجتها وسط الشارع، غير آبهٍ بمشاعر الناس وخواطرهم، فقد كان سكان الحارة واقفون في طوابير مستقيمة على أبواب منازلهم، كشرطة السير حين تنظم مرور موكب رئيس الجمهورية، ويعتريهم شغف الأطفال حين يجلسون على أبواب المنازل يوم عيد ميلاد المسيح، ينتظرون “بابا نويل” ليوزع عليهم الهدايا ومكعبات الشوكولاه.

لم أكن أدري أن صوت دبة الغاز صار أعذب من صوت فيروز وأم كلثوم وأبوبكر سالم، وميادة الحناوي، وآمال ماهر، فجميعهم لا يمكن أن يثيروا فينا المشاعر، ويحركوا فينا الحنين إلى الماضي الجميل كما يحركه صوت دبة الغاز حين تتدحرج في الشارع، ولكم أن تتخيلوا صوت الدبة الغاز حين تكون ممتلئة ! كيف يكون صوتها أكثر عذوبة، ورخامة، وأدفء إحساسا، بل من جماله يغطي درجات السلم الموسيقي. مطهر_الخضمي

شاهد أيضاً

رغم الماساه.. التعليم الجامعي وطن !!

كتب / سعيد محمد الشرعبي مؤاسسات التعليم الجامعي تقدم مستمر وعطاءا لا ينضب ،رغم الظروف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *